محمد بن جرير الطبري

549

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار ، فقال بعضهم : أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر : والله لولا محبس أبى محجن لقلت : هذا أبو محجن وهذه البلقاء ! وقال بعض الناس : ان كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر ، وقال بعضهم : لولا ان الملائكة لا تباشر القتال لقلنا : ملك يثبتنا ، ولا يذكره الناس ولا يابهون له ، لأنه بات في محبسه ، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس ، وتراجع المسلمون ، واقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج ، ووضع عن نفسه وعن دابته ، وأعاد رجليه في قيديه ، وقال : لقد علمت ثقيف غير فخر * بانا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا سابغات * وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وانا وفدهم في كل يوم * فان عميوا فسل بهم عريفا وليله قادس لم يشعروا بي * ولم اشعر بمخرجى الزحوفا فان احبس فذلكم بلائي * وان اترك اذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى : يا أبا محجن ، في اى شيء حبسك هذا الرجل ؟ قال : اما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية ، وانا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني ، يبعثه على شفتي أحيانا ، فيساء لذلك ثنائى ، ولذلك حبسني ، قلت : إذا مت فادفني إلى أصل كرمه * تروى عظامي بعد موتى عروقها ولا تدفنني بالفلاة فاننى * أخاف إذا ما مت الا أذوقها وتروى بخمر الحص لحدي فاننى * أسير لها من بعد ما قد أسوقها